إسم المستخدم
كلمة المرور
إشترك بالموقع
رأيك يهمنا
تمهيد تاريخى
لاشك أن توحد فكر واهتمام المجتمع الدولى حول مبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وإقرار عالميتها وعدم قابليتها للتصرف أو التنازل أو للتجزئة، والعمل على توافرها وإقرارها وتنميتها وحمايتها وصونها من كافة صور الاعتداء عليها يعد من أهم الإنجازات الإنسانية التى اختتمت بها البشرية القرن العشرين (بالتقويم الميلادى)، إذ يعتبر ذلك فى حدود المقاييس البشرية المتعارف عليها، نهاية سعيدة لما حفلت به رحلة التواجد الإنساني المعروف والمؤرخ عبر العصور والقرون السابقة وسنوات القرن الحالي، من أحداث وفظائع وأهوال، والتى أصبحت الآن بفضل ما وصلت إليه الجهود الدولية فى مجال إقرار وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية تشكل انتهاكات صارخة تفرض على المجتمع الدولى عبء ومسئولية التحرك للحيلولة دون وقوعها ثم مواجهتها والقضاء عليها فى حالة حدوثها و معاقبة المسئولين عنها وتعويض ضحاياها، وذلك بدءاً من الاسترقاق والتعذيب والاضطهاد وتجارة الرقيق (الدعارة) والتفرقة العنصرية والإرهاب على المستوى الفردي ونهاية بالحروب وإبـادة الأجناس واستعمار الدول بعضها لبعض على المستوى الدولى.ورغم التفاف المجتمع الدولى وإجماعه بوجه عام على القيم والمبادئ الغالية التى تقوم عليها مبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية باعتبار أنها فى مجموعها تعبير عما يجب أن يتحلى به الإنسان من صفات لصيقة بكينونة البشرية تجاه نفسه أو الآخرين، إلا أن الطريق لإرساء واحترام هذه الحقوق والحريات وإقرارها ثم الالتزام بها من قبل الدول باعتبارها أشخاص القانون الدولى لم يكن مفروشاً بالورود أو حتى ممهداً للسير فيه أو الانطلاق عليه، فقد كان الطريق وعراً وطويلاً ومليئاً بالمصاعب والعقبات، كما وأن القدر الباقي الذى يتعين على المجتمع البشرى استكماله على هذا الطريق مازال طويلاً أيضاً وشائكاً ويتطلب المزيد من الجهود المخلصة والمجردة فى الرغبة فى الوصول لنهايته بتحقيق عالمية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وعدم قابليتها للتجزئة أو التنازل، وتوحيد المعايير والمفاهيم المتعلقة بتطبيقها بموضوعية وشفافية بعيداً عن الازدواجية أو الأغراض والمصالح السياسية، ليتساوى فى التمتع بها جميع البشر بغير تحيز أو ازدواجية أو أهداف تعلو عليها، وتوفير الآليات المناسبة لرصد ومراقبة ومحاكمة المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان فى أى مكان وزمان وتعويض وتأهيل ضحايا تلك الانتهاكات.بيعة الحال فإنه لا يمكن القول بأن حقوق الإنسان وحرياته لم تكن محلا لأي اهتمام قبل تصاعد حضورها الدولى فى إطار منظومة الأمم المتحدة التى بالقطع ينسب إليها سعيها نحو تأكيد عموميتها وعالميتها فى النصف الأخير من القرن العشرين من خلال صلاحيتها كمنظمة دولية حكومية ولكن على مدى التاريخ كان الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان وحرياته الأساسية فى مجالاتها المختلفة محلا للكثير من الجهود التى اتسمت بالإقليمية أو المحلية أو الجهود التى ارتبطت بالدين من خلال الاهتمام ببعض الحقوق أو الحريات بدافع المشاعر الإنسانية التى تبلورت قواعدها بصور متفاوتة عن طريق الأنبياء والرسل وما أتت به الرسالات والكتب السماوية من عقائد تهدف إلى الحصول على رضاء الخالق عز وجل ونيل ثواب الآخرة والتطهر من الذنوب فى الدنيا.وقد انفردت الشريعة الإسلامية ومنذ أربعة عشر قرنا بأن جاءت بتنظيم متكامل سواء فى علاقة الإنسان بخالقه أو بغيره من البشر فى كافة مناحى الحياة وقد أتت بأحكام وقواعد تناولت حقوق الإنسان وحرياته حتى منها ما يتعلق بقواعد الحرب وأخلاقياتها. وقد اتسمت الشريعة الإسلامية بقواعد عامة صالحة لكل زمان ومكان ولكل إنسان على وجه الأرض أيا كان دينه أو عقيدته.كما تناول قدراً كبيراً من هذه الجهود الفلاسفة والمفكرين وبعض العقائد والمعتقدات والأنظمة من خلال الاجتهادات الإنسانية فى هذا المجال وقد اتسمت هذه الجهود وتلك المحاولات فى الجانب الأعم منها بكونها اتصلت بالدين والعقيدة وفكرة الحصول على الثواب وتجنب العقاب فى الآخرة وفى جانب أخر ببعض الأفكار والقيم التى اجتهد فيها كل من المفكرين والفلاسفة بدافع إقرار قيم ومثل عليا يسعى إليها البشر فى علاقاتهم وتعاملهم بعضهم البعض كما تناول بعضاً من هذه المبادئ الأنظمة القانونية الوضعية، ويعـد الإعـلان الأمريكـي لحقوق الإنسان (1766)، والإعلان الفرنسى لحقوق الإنسان سنة (1789) أولى المحاولات لتجميع هذه الحقوق برؤية محلية فى إطار إعلانات وطنية ناشئة عن تجارب خاصة عاشتها تلك الشعوب.وترجع بدايات اهتمام المجتمع الدولى بالقضايا والموضوعات المتصلة بحقوق الإنسان وتعامله المباشر والمنظم لها، إلي منتصف القرن التاسع عشر، وكان ذلك رد فعل مباشر لمعاناة البشرية من الشرور السائدة آنذاك وهى إبادة الأجناس والحروب والرق والاتجار بالنساء وأطفال (الدعارة). وقد أسفرت الجهود الدولية المتعلقة بمواجهة آثار ويلات الحروب عن إنشاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والتى أقرت وقت تأٍسيسها اتفاقية جنييف سنة 1864 بهدف احترام شخص الإنسان ضد شدائد الحرب وتقديم المساعدات لضحايا الحروب، واستمرت الجهود الدولية فى هذا المضمار إلى أن أسفرت عن اتفاقيات جنييف الأربعة عام 1949 والبرتوكولين الملحقين بها والصادرين عام 1977 وهى الاتفاقيات الخاصة بحماية ومساعدة الأسرى والجرحى والمدنيين أثناء المنازعات المسلحة. وقد تضمن البرتوكول الأول حماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة والثانى الخاص بضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية والتى تطورت أهدافها لتكون أساسا لما يسمى الآن بالقانون الدولى الإنساني.ومن ناحية أخرى وبشكل موازى تواصلت الجهود الدولية لمواجهة الرق مع نهاية القرن التاسع عشر وأسفرت عما عرف بـ "صك برلين "عام 1885، وصك مؤتمر بروكسل عام 1890" ثم الاتفاقيات الدولية الصادرة مع بداية القرن العشرين لموجهة الرقيق الأبيض حيث صدر الاتفاق الدولى لمكافحة الرقيق الأبيض عام 1904 ثم اتفاقية 1910 الخاصة بمكافحة الاتجار فى الرقيق الأبيض.وتمركزت اهتمامات المجتمع الدولى إبان عهد عصبة الأمم والتى تعتبر المنظومة الأولى للتنظيم الدولى السياسى (1919-1939) فى قضايا ثلاث هى الاقليات والتى كانت وراء كثير من الحروب، ثم الاتجار فى الرقيق الأبيض، ثم القضايا المتصلة بالعمل، وقد أسفرت الجهود الدولية إبان هذه الفترة عن اتفاقية إلغاء الاتجار بالنسـاء والأطفـال سنة 1921 واتفاقية مكافحة الاتجار بالنساء البالغات سنة 1933والاتفاقية الدولية للرق سنة 1926، ثم معاهـدة نبذ الحرب " باريس 1928 " ثم الاتفاقيـة الدوليـة للسخرة عام 1930 والتى تحمل رقم (29) فى مسلسل اتفاقيات العمل الدولية، وبعض اتفاقيات منظمة العمل الدولية والمتعلقة بحق العمل وتنظيم ما ينشأ عنه من حقوق للعمال.وبنهاية الحرب العالمية الثانية أقر مؤتمر سان فرانسيسكو سنة 1945 ميثاق إنشاء منظمة الأمم المتحدة لتحل محل عصبة الأمم، وقد كان ميثاقها فرصة طيبة للتعبير عن شواغل وهموم المجتمع الدولى حيال قضايا حقوق الإنسان ووضع تصورهم حيالها، ولكن بطبيعة الحال كانت هموم وشواغل السياسيين حيال قضايا الأمن والسلم العالمي أكبر وأعظم، ولهذا صدر ميثاق الأمم المتحدة معبراً بقدر ضئيل عن تلك الشواغل والاهتمامات ولهذا تناول معاناة البشرية حيال موضوعات وقضايا حقوق الإنسان وبصفة خاصة أثناء الحروب حيث ورد بديباجة ميثاق الأمم المتحدة، والـذى أصبح نافـذاً فى 24/10/1945)، مايلى " نحن شعوب الأمم المتحدة قد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التى جلبت فى خلال جيل واحد على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف، وأننا نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدرته وبما للرجال والنساء، والأمم صغيرها وكبيرها من حقوق متساوية ".وقد تضمن ميثاق الأمم المتحدة فى المادة الأولى مقاصد الأمم المتحدة وقد تضمنت فى الفقرة الثالثة منها " تحقيق التعاون الدولى على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع على ذلك إطلاقا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء ".كما تضمن ميثاق الأمم المتحدة فى الفصل التاسع والمعنون " التعاون الدولى الاقتصادي والاجتماعي " (المواد من 55 إلى 60) رغبة الدول الأعضاء فى تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية بين الأمم على أساس احترام مبدأ المساواة فى الحقوق بين الشعوب كما تضمن القضايا والالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان وتعزيز احترامها بالفقرة (ج) من المادة (55) والتزام الدول بالتعاون فى هذا الشأن فى المادة (56)، كما أناط الميثاق فى البند الثانى من المادة (62) بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي اختصاص تقديم التوصيات للجمعية العامة فيما يختص بإشاعة احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية ومراعاتها.وقد كان ذلك بطبيعة الحال على نحو ما سلف انعكاساً لازماً لمعاناة البشرية عبر التاريخ من كل ألوان الظلم والقهر والاستبداد والتى فشلت فى مواجهتها كافة الجهود على مختلف أنواعها ومستوياتها واستجابة ملحة للمستجدات والمتطلبات العالمية التى فرضت نفسها على الساحة الدولية فى أعقاب كل من الحربين العالميتين اللتين احتربتا فيهما دول العالم فى زمن قياسي وخلفتا وراءهما من الدمار والأهوال والخراب ما كان يحتم على دول شعوب العالم فى ضوء معاناتها السابقة أن تعي وتسارع إلى وضع الأسس والمفاهيم والمعايير الموضوعية المشتركة التى تضمن عدم تكرار هذه الفظائع مرة أخرى وتوفر الرخاء والأمن والسلام لكل إنسان فى أرجاء المعمورة.وفى 16/2/1946 قرر المجلس الاقتصادي الاجتماعي أنشاء لجنة حقوق الإنسان بموجب القرار رقم 5 ( د ـ 1 ) وقد كلفت اللجنة أن تقدم مقترحات وتوصيات وتقارير حول " الشرعية الدولية لحقوق الإنسان " وقد أعدت اللجنة فى هذا الإطار مشروع الإعلان اعتمدته فى دورتها الثالثة فى 24/5/1948 ورفع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي الذى أحاله بدوره إلى الجمعية العامة.وفى 20/12/1948 اعتمدت الجمعية العامة المنعقدة فى باريس الإعلان العالمي بوصفه المثل الأعلى المشترك الذى ينبغي أن يتحقق لدى كافة الشعوب وكافة الأمم. وقد أيدت 48 دولة الإعلان عند التصويت عليه وامتنعت 8 دول عن التصويت ولم يصوت ضده أية دولة. وقد جاء الإعلان، وهو يمثل حصاد الجهود الدولية آنذاك، خطوة أولى من أجل أن يشيع فى العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بغير تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين أو النوع، ورغم أن الإعلان العالمي لم يفرغ فى شكل قانونى كمعاهدة ملزمة وفقا للقانون الدولى، إلا أنه نال قيمة أدبية عظيمة الشأن كوثيقة تاريخية تتناول بشكل مناسب اجمع عليه العالم فى هذا الموضوع الحيوي، ليتدارك ويفسر به المجتمع الدولى القدر الضئيل الذى ورد فى ميثاق الأمم المتحدة متعلقاً فى هذا الخصوص.وقد اصبح هذا الإعلان بما حظى به من تأييد وتقدير بمثابة دستور عالمى فى هذا الشأن لـه مكانة عليا، وباتت دول العالم تستلهم منه رغم عدم الزاميته كافة ما ورد فيه من مبادئ لحقوق الإنسان وحرياته لتصيغها فى دساتيرها الوطنية.وقد أوردت ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تعبيراً عن ذلك " إن تناسى حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وأنه بات من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاسـتبداد والظلم ".وقد تضمن الإعلان فى مواده الثلاثين، الحقوق الأساسية التى استقر المجتمع الدولى آنذاك عليها، وذلك فى صياغة عامة، نظراً لطبيعة الوثيقة، كإعلان دولى يحول دون التفصيل أو التفسير، والذى يترك عادة للجهود الناشئة عن التطبيق بعد أن يتـولى القانـون الـدولى أو القانون الوطنى صياغة هذه الحقوق وحمايتها فى إطار الشرعية حسـبما أوضحت عنه ديباجة الإعلان.وقد أثبت ذلك بوضوح أن إدراك المجتمع الدولى لأهمية حقوق الإنسان واحترام هذه الحقوق وضمان توفيرها وحمايتها لكل فرد على الأرض قد اخذ أبعاداً جديدة ومتعددة وبشكل سريع وعميق، فقد تبلورت آثار هذا الاهتمام خلال فترة وجيزة منذ تاريخ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فى 10/12/1948 إذ نجح المجتمع الدولى فى الالتزام بما ورد بالإعلان العالمي من العمل على إضفاء الشرعية الدولية على مبادئ حقوق الإنسان وحرياته من خلال وضع قواعد دولية ملزمة للعديد من الأمور المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته فى مختلف النواحي وذلك من خلال سلسلة الإعلانات والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة فى هذا الشأن والتى تبلورت إلى اتفاقيات ومواثيق دولية سارعت أغلبية الدول إلى الانضمام إليها والالتزام بأحكامها على الرغم من اختلاف أنظمتها وأعرافها وتقاليدها لتلحق بركب البشرية فى خطواته الثابتة لتأكيد واحترام هذه الحقوق وتلك الحريات باعتبارها السمات الأساسية التى يتميز بها الكائن البشرى دون أية تفرقة أو تمييز، وهـى المحـور الأساسى لاستمرار الحياة وتطورها وازدهارها بما يكفل الرفاهية والرخاء لجميع البشر وللمجتمع الدولى.ولعل ما صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والهيئات التابعة لها من إعلانات ومواثيق وقرارات دولية لتعبر بعمق وصدق عن مدى ما أصبحت تحظى به مبادئ حقوق الإنسان وحرياته من اهتمام بالغ على المستوى الدولى وتعكس بالدرجة الأولى مدى إحساس دول العالم اجمع بالدور الريادي والأساسي الذى تقوم به تلك المبادئ لتحقيق مستقبل أفضل للبشرية وباتت بذلك تشكل حجر الزاوية لكل تقدم ورخاء، والأساس المرتقب للنظام العالمي الجديد.وقد تضمنت منظومة الأمم المتحدة فى هياكلها التنظيمية العديد من الآليات التى تعنى بحقوق الإنسان على رأسها اللجنة الثالثة بالجمعية العامة للأمم المتحدة والمعنية بالمسائل الاجتماعية والإنسانية والثقافية ولجنة حقوق الإنسان المنبثقة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي نفاذاً المادة (68) من ميثاق الأمم المتحدة ، وهى الهيئة الحكومية الدولية الوحيدة التى تعقد اجتماعات علنية بصدد انتهاكات حقوق الإنسان التى يوجه انتباهها إليها وتستعرض أداء جميع الدول الأعضاء فى مجال حقوق الإنسان، وتضم اللجنة لجان فرعية ولها مقررين خاصين ذات صلاحيات محددة ، وباتت هذه اللجنة من خلال الصلاحيات التى منحت لها بمقتضى القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي تلعب دوراً هاماً فى رصد الانتهاكات وكشفها إذ منحت صلاحيات تلقى الشكاوى وإجراء اتصالات مع الدول عنها فيما يعرف بالإجراء السري الصادر بالقرار رقم (1503) للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، هذا بخلاف الآليات المنبثقة عن الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وهى اتفاقيات الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإلغاء التفرقة العنصرية، والتعذيب، والطفل، والمرأة، والقضاء على التفرقة العنصرية فى الرياضة، وهى آليات ذات فعالية وصلاحيات إذ تلتزم الدول بتقديم تقارير لها بمدى التقدم المحرز لإنفاذ الأحكام المتعلقة بالاتفاقيات المعنية وتقوم بمناقشة الدول فى هذه التقارير بواسطة أعضائها من الخبراء وإصدار التوصيات والقرارات بشأنها، وذلك بخلاف صلاحياتها فى أحوال معينة فى نظر الشكاوى المقدمة ضد الدول الأطراف عن انتهاكات حقوق الإنسان وإعمال صلاحياتها بشأنها وفقاً للأوضاع المقررة لها.وبقدر ما حظيت به حقوق الإنسان وحرياته الأساسية من مكانة لدى منظمة الأمـم المتحدة، ظهرت على الصعيد الدولى تجمعات إقليمية تجمع فيما بينها الدول ذات الاهتمام والمشاكل والأوضاع المشتركة التى ساعدت على تجمعها ودفعها للاستفادة من هذه الظروف فى إيجاد فهم مشترك أوسع نطاقاً وأعمق تأثيراً وأكثر التزاماً بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية ولوضع الحماية القانونية لها بإنشاء آليات تعمل على كفالة حمايتها وزيادة ضماناتها واحترامها وفعاليتها ورصد الانتهاكات الحاصلة عليها ومواجهتهـا مـن خـلال القواعد المنظمة للمسئولية عنها وتقرير الحماية لها من خـلال قضـاء متخصـص، وفى ذلك بادرت الدول الأوربية فى إطار منظمة الأمن والتعاون الأوربي بإصدار الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان بروما فى 4/11/1950، ( والتى دخلت حيز النفاذ فى عام 1953 وبلغ عدد الدول الأعضاء بها [40] دولة )، ثم الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان عام 1969 فى إطار منظمة الدول الأمريكية ( والتى دخلت حيز النفاذ فى عام 1978 وبلغ عدد الدول الأعضاء بها [35] دولة ) وقد تضمن كل منهما إنشاء لجنة ومحكمة للنظـر والفصل فى الانتهاكات الحاصلة لحقوق الإنسان، وقد جاء ذلك تطوراً هاماً فى مجال إقرار مسئولية الدولة فى هذا الشأن أمام غيرها من الدول الأعضاء بالاتفاقية وبواسطة قضاء دولى إقليمي متخصص، بل تطور الأمر لمنح الإنسان الشخصية الدولية لمخاصمة الدول الأعضاء أمام هذا القضاء للقضاء لـه بإزالة أية انتهاكات قد تكون نالت من حقوقه أو حرياته الأساسية المقررة بالمواثيق الحامية لهـا ولتعويضه عنها.ولم تتخلف القارة الأفريقية عن هذا الركب بل أن ما حفل به تاريخها من ألوان الاستعمار والاستعباد والتفرقة العنصرية وما ترتب على ذلك من مشكلات وقضايا اجتماعية واقتصادية نتيجة الظلم الذى حاق بإرادة شعوبها والتخلف الاقتصادي الذى ما فتئت تعانى منه كأثر لنظام اقتصادي ظالم، جعل مـن شعوب القارة الأفريقية خير من يـدرك أهمية الدفـاع عن حقـوق الإنسان والشـعوب كركيزة لا تتحقـق بدونها سلام أو تنمية.وفى إطار منظمة الوحدة الافريقية صدر فى 18/6/1981 بنيروبى الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (والذى دخل حيز النفاذ فى 21/10/1986وبلغ عدد الدول الأعضاء فيه (53) دولة وهم جميع الدول الأفريقية) وقد جاء هذا الميثاق معبراً عن الرؤية الأفريقية الخاصة لهذه القضايا حيث تضمن أولاً إضافة واجبات الإنسان حيال أسرته ومجتمعه ووطنه والأخريين، وثانياً إضافة حقوق الشعوب لقائمة حقوق الإنسان وهى ما يعرف بالجيل الثانى لحقوق الإنسان وهى حق الشعوب فى السلام والتنمية، وقد أدى ذلك إلى إصدار إعلانات دوليـة عـن الأمـم المتحدة، الأول إعلان حقوق الشعوب فى السلام 12/11/1984 وإعـلان الحـق فـى التنمية 4/12/1986 كما تضمن اهتماماً خاصاً بالحق فى التنمية، وعدم الفصل بين الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحديد هدف القضاء على الاستعمار والعنصرية والتحرير الكامل لدول أفريقيا، وقد انبثق عن الميثاق الأفريقي اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب كآلية تختص بتلقى التقارير الدورية للدول الأعضاء ومناقشتها وفحص الشكاوى وإصدار التوصيات اللازمة بشأنها، وقد تواصلت الجهود الأفريقية لمواكبة التطور العالمي بإصدار بروتوكول ملحق بالميثاق الأفريقي لإنشاء المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان وهو مفتوح حالياً للتوقيع عليه ولم يدخل بعد حيز النفاذ لعدم بلوغ الأعضاء الموقعين الحد الأدنى لنفاذه فضلاً عن تعيين عدد من المقررين الخاصين لبعض القضايا الهامة التى تعنى بها القارة.ولم تتوقف مسيرة المواثيق الإقليمية عند ذلك، فقد صدر عن منظمة المؤتمر الإسلامي فى أغسطس 1990 إعلان القاهرة لحقوق الإنسان فى الإسلام، كما اعتمد فى 15/9/1994 بالقرار رقم 5437 من مجلس الجامعة العربية الميثاق العربي لحقوق الإنسان وهو مفتوح حالياً للتوقيع، ولم يكتمل بعد انضمام العدد اللازم من الدول لدخوله حيز النفاذ. وقد انعكست آثار هذه المبادرات الإقليمية وما أسفرت عنه من إنشاء آليات رصد ومراقبة ومحاسبة لانتهاكات حقوق الإنسان على الجهود الدولية الدائرة فى إطار منظومة الأمم المتحدة فى هذا المجال حيث ساعدت بطبيعة الحال على دخول الإعلان العالمي إلى الشرعية الدولية من خلال العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1966 وهما الاتفاقيتان الدوليتان اللتان تضمنتا ما ورد فى الإعلان العالمي من حقوق وحريات ولكن فى إطار قواعد قانونية دولية 0ثـم تتابعـت الاتفاقيـات الدوليـة فى هذا المجال فى إطار معنى بالفئات الأضعف "المرأة والطفل" وفى إطار الاهتمام بالأفعال الأكثر اهتماماً واستهجانا من المجتمع الدولى مثل التفرقة العنصرية والتعذيب، وقد تضمنت سبع من الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان الصـادرة عن الأمم المتحدة والسابـق الإشـارة إليها إنشاء آليـات دوليـة Treaty bodis))يشكل لجان دائمه منبثقة عن الاتفاقيـات المعنيـة، لمواصلة الجهود مع دول العالم على تعـزيز إرساء المبادئ المتعلقة بحقوق الإنسان من خلال التزام الدول الأعضاء بتقديـم تقارير دوريـة أمام هذه اللجان بالجهــود التى تقوم بها فى المجالات ذات الصلة على أراضيهـا والمتعلقـة بتنفيذ أحكام الاتفاقيات المعنية، وكذلك بالتزام الدول بتجريم بعض صور الانتهاكـات مثل الـرق والسـخرة وإبادة الأجناس والتعذيب والتفرقة العنصرية ومكافحة الدعارة والتعاون الدولى من أجل مكافحتهما.وقد منحت هذه الآليات الحق فى أحوال معينة فى العمل كآلية رصد ومراقبة وتلقى الشكاوى للتحقيق فيها وتوجيه المساءلة عنها، كما أنشئ عقب المؤتمر الثانى لحقوق الإنسان المنعقد فى فيينا سنة 1993 منصب المفوض العام السامي لحقوق الإنسان فى مبادرة دولية لإنشاء آلية جديدة للمتابعة والمراقبة بعدما تعذر الاتفاق على إنشاء المحكمة الدولية لحقوق الإنسان ويختص المفوض السامي بالسعى لمنع وقوع الانتهاكات ويحقق فيما يقع فيها والعمل مع الحكومة على إزالتها.كما أدرجت فى نظام روما الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية والمعتمد فى 17/7/1998 فى إطار مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي للمفوضين المعنى بإنشاء المحكمة، الجرائم المنصوص عليها بمواثيق حقوق الإنسان كجرائم دولية تختص بنظرها المحكمة المرتقبة.